تاتشات

بوكوفسكي.. وحشُ الكتابة لا يزال يتكلم في قبره

أناستاسيا قرواني-كاتبة فلسطينية

وأنت تقرأ تشارلز بوكوفسكي قد تمرّ عليك لحظات تودّ فيها أن تمزق الكتاب، شخصيًا لا أنصحك بذلك.

فما أن تتركه برهةً، وتحاول نسيانه، سينتابك فضول يرغمك على العودة إليه، رغم كل القذارة التي يرغمك على بلعها، سوف تعود وتقرأ حتى النهاية، وتتخبط في وحل من المشاعر الإنسانية، وتشعر أن أحاسيسك لم تكن بهذا العراء من قبل.

لم يكتب بوكوفسكي ليرضي أحدًا، واختار لنفسه مكانًا وبقي مخلصًا لهذه البقعة المظلمة التي عاش فيها إنسانًا وأديبًا، ولعله من أكثر العبثيين تطرفًا، عبثيته التي لم تكن ترفًا فكريًا، بل قدر محتوم، كما آمن بوكوفسكي، وحياة كاملة عاشها “تحت الأرض”، على هامش الهامش، في لوس أنجيلوس، أو مدينة الملائكة، والتي يمكن أيضًا، في بعض حالاتها، أن تكون مدينة البؤساء.

shareلم يكتب بوكوفسكي ليرضي أحدًا، وبقي مخلصًا لتلك البقعة المظلمة التي عاش فيها

لم يكن أمام بوكوفسكي أي فرصة، عاش طفولة معذبة، والتي من الملاحظ أنه تأخر كثيرًا في الكتابة عنها، حدث ذلك للمرة الأولى في روايته “شطيرة البؤس”، وهي رواية غير مترجمة حتى الآن وتعد من أفضل أعماله. نشرت الطبعة الأولى منها عام 1982، عندما كان بوكوفسكي في سن الثانية والستين. يمتد زمن الرواية من عشرينيات القرن الماضي وحتى بداية الحرب العالمية الثانية، وهي فترة تعرف في الولايات المتحدة بفترة الكساد الكبرى. حيث واجه الأميريكيون أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخهم منذ ذلك الحين وحتى اليوم. دفعت هذه الأزمة شريحة كبيرة من المجتمع نحو الحضيض، وتحولت الكثير من العائلات الميسورة إلى عائلات معدمة. تتحدث الرواية عن المرحلة العمرية الأكثر أهمية في حياة بطل بوكوفسكي “هنري تشينازكي” والذي يعرف فيما بعد بين أصدقائه بـ”هانك”، مرحلة الطفولة والمراهقة، ومن ثم بدايات الشباب. هذه المرحلة الغامضة التي جعلت من هانك ما هو عليه، والتي جعلت بوكوفسكي ما هو عليه، فهنري تشينازكي (هانك) ليس سوى الأنا العليا لبوكوفسكي، هنري تشارلز بوكوفسكي.

 

يستهل بوكوفسكي روايته بوصف مشاهد متقطعة من طفولته، ما استطاعت ذاكرته الصغيرة التقاطه وتخزينه، عائلته المهاجرة من ألمانيا، جدته الصارمة التي كان يخشاها، تهديداتها بأنها سوف “تقبر الجميع” إن لم يأكلوا جيدًا. ثم يتذكر مشهدًا لجده، كان جده سكيرًا، وكان والدا هنري يرغبان في أن يبعدا ابنهما عن الجد. لكن هنري أحبه كثيرًا، وفضله على والديه وجدته. كان هذا المشهد في بداية الرواية، لكن لا أحد يخبر هنري الصغير أنه وداع، وهنري الصغير أيضًا لا يدرك أنه وداع، لكننا نفهم في النهاية، فقد كان هذا اللقاء آخر ما يذكره هنري عن جده.

ثم يتحدث عن أفراد آخرين من عائلته، صور متفرقة تعبر عن حياة مففكة. لم تكن ذكريات عشوائية، كانت كلها عبارة عن إرهاصات -إيحاء- لما سيحدث لهنري في المستقبل، رغم أنه يبدو في تلك اللحظة طفلًا ذكيًا ولطيفًا. إلا أن ذلك يتغير بالتدريج ودون أن يشعر القارىء. الشخصيات التي تومض في ذاكرة هنري الطفل تتحول إلى أطياف، لكنها بطريقة ما لم تكن شخصيات ثانوية على المستوى السيكولوجي.

ثم تبدأ شخصية أخرى بالسيطرة، شخصية الأب، الذي يتغلغل إلى وعي هنري تدريجيًا، بالتالي إلى سرده وإلى وعي القارىء. وحتى نهاية الرواية، يصبح من الواضح مدى تأثير الأب في تكون شخصية ابنه. إلى درجة تتساءل فيها ما إذا كان من الممكن لهنري الفكاك من قبضة هذا الرجل العملاق، ولربما هذا ما قصد به بوكوفسكي بعنوانه المحير للرواية “شطيرة البؤس”، حيث اعتبر بعض النقاد أن بوكوفسكي رآى نفسه عالقًا في حياته والديه مثل قطعة لحم خنزير في شطيرة، والتي من الممكن أيضًا أن ترمز إلى شطيرة الأطفال الفقراء التي كانوا يحملونها إلى المدرسة، وكأنها غذاء موحد للبائسين، غذاء الذلّ والقهر.

shareأهدى بوكوفسكي روايته “إلى كل الآباء”، ليقول لهم: هكذا تدمرون أبناءكم

لقد أهدى بوكوفكسي روايته “إلى كلّ الآباء”، ولعل في ذلك لفتة في غاية السخرية، يوهم القارىء بوجود دفء ما بين الأب وابنه في بداية السرد، لكنه سرعان ما يتحول إلى علاقة حرمان وكراهية. “إلى كلّ الآباء”، أو بلغة أخرى: هكذا تدمرون أبناءكم أيها الآباء، فهل كان هذا جواب بوكوفسكي على السؤال الأكثر إلحاحًا: لم حمل كل هذا الحقد تجاه الأشياء، لم ثار وحارب كل شيء؟

 

لكنه لم يكن الأب وحده، كان الأب، إضافة إلى سوء حظ كبير، وكأن الحياة كلها وقفت ضده. لقد كان مقدرًا لهنري (والذي عرف بـ هانك فيما بعد) أن يكون منبوذًا في زمن كان يلهث فيه المجتمع الأمريكي وراء معايير منمطة تحدد مكانة وهوية الإنسان. كان فقيرًا معدمًا، مظهره غير جميل، تشوهاته بسبب إصابته بدرجة في غاية السوء من مرض حب الشباب، وانعدام سبل العلاج في ذلك الحين، فخلفت ندوبًا مدى الحياة على وجهه وجسده. لقد لفظته الحياة خارجها، الإنسان الذي وصف أنه “وحش من العاطفة والحنان”، لكنه لم يحصل يومًا على الحبّ.

إن سردية بوكوفسكي ساحرة إلى أبعد حد، فقدرته على أسر وعي القارىء موهبة نادرة. ولعل هذه من أهم سمات بوكوفسكي، لم يكن هناك أي تكلف، الحياة بالنسبة له سطحية للغاية، عبارة عن لا شيء، مجرد وهم وخديعة. سرد بوكوفسكي أقرب إلى حديث صادق، لا شيء يخجل منه، لا شيء يخافه، سخريته لاذعة، وحسه الفكاهي الذي جعل أكثر الأشياء قتامة أشياء محتملةً. ذكرتني روايته بكتاب آثير، وهو “الشمس تشرق أيضًا” لآرنست همنغواي.

كلا الكتابين يتحدثان عن الفترة ما بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية (وإن كان الزمن أطول في كتاب بوكوفسكي). في رواية همنغواي تأخذ الأحداث مجراها في أوروبا، في حين تتحدث رواية بوكوفسكي عن الولايات المتحدة، كلاهما عبثي، كلاهما يحب المصارعة التي تحتل مساحة جيدة في الروايتين، لكنها مصارعة من نوع مختلف، ففي رواية همنغواي يتوجه الأبطال في رحلة إلى إسبانيا لمشاهدة المصارعة السنوية للثيران، لكن شخصيات بوكوفسكي لا تملك هذا الترف، شخصيات بوكوفسكي تصارع بيديها. في كلا الروايتين يرتاد الأبطال الحانات للاستمتاع بالشراب، لكن حانات همنغواي جميلة وأنيقة، بينما حانات بوكوفسكي رخيصة وقذرة، إضافة إلى كل هذا -ولربما كان هذا التفصيل الأكثر رمزية في الروايتين- يعجز البطل في كل من الروايتين من أن يقيم علاقة عاطفية أو جسدية، ففي رواية همنغواي يعاني البطل من إعاقة بسبب إصابته في الحرب العالمية الأولى، بينما في رواية بوكوفسكي، يعاني البطل من نبذ المجتمع له بسبب فقره وافتقاره لمعايير المجتمع الأمريكي. هذا وإن كانت رواية همنغواي رواية خيالية، ولا نعرف مدى مطابقتها أو تصويرها لحياة أشخاص حقيقيين عاشوا فعلًا، بيد أن روايات بوكوفسكي تعتبر روايات سيرة ذاتية، يصور فيها بوكوفسكي تجاربه الذاتية الحقيقية.

shareكتب بوكوفسكي عن الأشخاص الذين لم يكتب عنهم أحد، والذين ربما لا يهتم أحد بالقراءة عنهم

لا يمكنني القول إن بوكوفسكي كاتب عظيم، فأعماله التي تتصف بالمحلية، وتصور جانبًا من حياة لوس أنجيلوس، مبنية على ثيمة لم يتفق الجميع على حبها، كان له من عاداه، لم يحظ بالتقدير في أمريكا، إلا بعد أن انتشرت كتاباته في أوروبا.

 

كتب عن الأشخاص الذين لم يكتب عنهم أحد، والذين ربما لا يهتم أحد بالقراءة عنهم، اتصف باستخدام تعبيرات “قذرة”، وأخرى مسيئة للمرأة، لم يكن من الكتاب الذين يلتف حولهم الجميع، ولم يكن من الكتاب الذين تلتف حولهم النخبة، كان من الكتاب الذين يقرأون للمشردين في الشوارع، وكان من الكتاب الذي يكتبون في صحف الثقافة السفلية، والصحف المغمورة. عادى الجميع، واستهزأ من الجميع، قال عنه الموسيقى الكندي “ليونارد كوهين”: “لقد استطاع أن يُنزل الجميع إلى الأرض، حتّى الملائكة”، ولعل هذا من أكثر الأقوال التي تنطبق على بوكوفسكي، لقد استطاع أن يزيل القناع عن كل شيء، يعرّي كل المظاهر، من حيث هو في مكانه المعدم الذي لا سلطة لشيء عليه. كتب بوكوفسكي ما يزيد على الخمسين عملًا، ما بين الرواية والشعر، كما كتب كتابًا عن “الكتابة”، كان عبارة عن رسائل يتحدث فيها عن فنّ الكتابة، الشيء الوحيد الذي أتقنه بشراسة، والشيء الوحيد الذي شق له منفذًا نحو السطح، رغم كلّ شيء، ولم يستطع أحد أن يسكت هذا الوحش، “حتى قبره”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق