تقارير

الهجرة الدولية: أكثر من 57 ألف مهاجر أفريقي وصلوا إلى اليمن خلال ثلاثة أشهر

مانشيت-خاص

بينما تنصرف أنظار العالم نحو مراقبة التحركات العسكرية والسياسية في منطقة البحر الأحمر، تنفجر بصمت واحدة من أكبر المآسي الإنسانية العابرة للحدود على السواحل اليمنية.

ففي مفارقة تثير الحيرة والقلق، لا يزال اليمن المنهك بالحروب والجوع يشكل المغناطيس الأول لآلاف المهاجرين الأفارقة الذين يرون في “طريق الموت” نحو اليمن خياراً أفضل من البقاء في أوطانهم.

الأرقام الرسمية الصادرة عن منظمة الهجرة الدولية (IOM) دقت ناقوس الخطر، معلنةً أن أكثر من 57,000 مهاجر قد وطأت أقدامهم التراب اليمني خلال الربع الأخير فقط، في تدفق بشري غير مسبوق يضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان إنساني.

تسونامي النزوح: رحلة المقامرة بالأرواح

لم تعد قوارب التهريب التي تنطلق من سواحل “أوبوك” في جيبوتي أو “بوساسو” في الصومال مجرد وسيلة نقل، بل هي “توابيت عائمة” تحمل على متنها مئات الشباب الذين يتم حشرهم في مساحات لا تتسع لهم.

هؤلاء المقامرون بأرواحهم، وأغلبهم من إثيوبيا، يواجهون أهوالاً لا يوصف غيضها من فيضها, فمن مخاطر الغرق في ممرات مائية تعد من الأكثر اضطراباً، إلى قسوة المهربين الذين لا يتوانون عن إلقاء المهاجرين في عرض البحر عند أول اشتباه بوجود دورية خفر سواحل.

هذا التدفق الذي سجل متوسطاً يقترب من 19 ألف وافد شهرياً، يعكس فشلاً ذريعاً في سياسات الاحتواء بدول المصدر، وتنامياً مخيفاً لنفوذ عصابات الجريمة المنظمة التي تدير هذا البيزنس الدامي بدم بارد.

جغرافيا الموت: من شواطئ الاستقبال إلى “أحواش” الابتزاز

بمجرد وصول المهاجر إلى شواطئ “رأس العارة” في لحج أو “بئر علي” في شبوة، تبدأ المرحلة الثانية والأكثر وحشية من الرحلة. فاليمن الذي كان تاريخياً بلد مضياف، أصبح اليوم مسرحاً لعصابات “التقطّع” والاتجار بالبشر التي استغلت غياب الدولة المركزية في العديد من المناطق الساحلية.

يُقتاد المهاجرون فور وصولهم إلى “أحواش” سرية نائية، حيث يتم احتجازهم في ظروف تفتقر لأدنى المعايير الآدمية، ويتعرضون لعمليات تعذيب ممنهجة يتم توثيقها بالصوت والصورة لإرسالها إلى أهاليهم في الخارج كشرط لإطلاق سراحهم مقابل مبالغ مالية باهظة.

هذه “العبودية الحديثة” ازدهرت بشكل مخيف، محولةً آلاف المهاجرين إلى أوراق نقدية في يد أمراء الحرب وعصابات التهريب الدولية.

الانعكاسات الكارثية: ضغط يتجاوز طاقة اليمن

هذا الانفجار العددي في أعداد المهاجرين يفرض ضغوطاً جسيمة على البنية التحتية المتهالكة أصلاً في المحافظات اليمنية. فعلى الصعيد الصحي، يخشى الخبراء من تحول مخيمات التجمع العشوائي إلى بؤر لتفشي الأوبئة العابرة للقارات، لا سيما مع وصول مهاجرين لم يتلقوا تحصينات أساسية ويعيشون في بيئة تفتقر للمياه الصالحة للشرب والصرف الصحي.

أما على الصعيد الاجتماعي والأمني، فإن وجود عشرات الآلاف من المهاجرين التائهين في الشوارع، بلا مأوى أو مصدر دخل، يخلق توترات متصاعدة مع المجتمعات المحلية التي تعاني هي الأخرى من الفقر المدقع.

بالإضافة إلى ذلك، تبرز المخاوف من استغلال أطراف النزاع لهذه الكتلة البشرية الهائلة عبر التجنيد القسري أو الزج بهم في أعمال لوجستية حربية، مما يعقد ملف الأزمة اليمنية ويزيد من تعقيداتها القانونية والحقوقية.

صمت دولي مريب وتمويل يحتضر

ورغم ضخامة هذه الأرقام التي توازي عدد سكان مدينة كاملة نزحت في ثلاثة أشهر، إلا أن الاستجابة الدولية لا تزال تدور في حلقة مفرغة من “التعبير عن القلق”.

تعاني منظمة الهجرة الدولية والمنظمات الشريكة من عجز تمويلي حاد يجعلها عاجزة عن تقديم أكثر من “وجبات طارئة” أو إسعافات أولية بسيطة.

مغ غياب استراتيجية دولية موحدة تتعامل مع “طريق الشرق” كأزمة أمن قومي وإقليمي، وليس مجرد ملف إغاثي، يفتح الباب على مصراعيه لمزيد من التدفقات.

الجرح المفتوح

إن وصول 57 ألف مهاجر إلى اليمن في 90 يوماً ليس مجرد إحصائية في تقرير دولي، بل هو صرخة من واقع مرير يؤكد أن “طريق الشرق” بات الجرح المفتوح في جسد المنطقة.

هؤلاء المهاجرون الذين يفرون من الموت إلى الموت، يضعون الضمير العالمي أمام اختبار حقيقي؛ فإما التحرك الجاد لمعالجة جذور الأزمة، أو الاستمرار في مشاهدة السواحل اليمنية وهي تتحول إلى مقبرة كبرى لأحلام القارة السمراء.

العالم مطالب اليوم بالاستثمار في استقرار دول القرن الأفريقي وتأمين الممرات البحرية، ودعم الحكومة اليمنية والمنظمات المحلية لتوفير مراكز استقبال إنسانية تحترم كرامة الإنسان، وتفعيل ممرات آمنة للعودة الطوعية قبل أن يتحول هذا النزيف البشري إلى انفجار لا تحمد عقباه.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق