
مرت اليمن بالعديد من التحولات منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر 2023، فقد دفعت الهجمات على البحر الأحمر وبروز الحوثيين داخل “محور المقاومة” باليمن إلى صراع إقليمي قوض الآمال في إنهاء الحرب التي دامت عشر سنوات. شهدت اليمن تحولاً جذرياً منذ انعقاد منتدى اليمن الدولي الثاني بـ لاهاي، في يونيو 2023، والذي تركزت فيه النقاشات على التفاؤل الحذر بشأن إمكانية التوصل إلى تسوية سلمية، حيث تراجعت جهود السلام إلى الوراء، وتوجه الاهتمام الدولي بشكل متزايد نحو احتواء التهديد الإقليمي الذي يشكله الحوثيون. تواجه اليمن اليوم تصعيداً عسكرياً متجدداً، وتدهوراً في الأوضاع الإنسانية، وأزمة اقتصادية متفاقمة، تضع ضغوطاً هائلة على سكانها الذين يعانون بالفعل من أعباء ثقيلة.
في ظل الركود الذي تشهده عملية السلام، وتعثر الحوار السياسي في اليمن، شكلت النسخة الثالثة من منتدى اليمن الدولي منبراً مناسباً لإحياء عملية الحوار البناء، مع التأكيد على أهمية السلام والاستقرار في اليمن ليس فقط من أجل رخاء اليمنيين، بل من أجل أمن المنطقة ككل. على مدار أيام المنتدى الثلاثة، التقى السياسيون اليمنيون والشخصيات القبلية وممثلون عن المجموعات النسائية والأقليات والشباب ونشطاء المجتمع المدني المشاركون في المنتدى، مع ممثلي الجهات الإقليمية والدولية الفاعلة وممثلي الأمم المتحدة والخبراء، في نقاشات مباشرة لاستكشاف سبل إحلال السلام في اليمن، حيث شملت أعمال المنتدى 29 جلسة، ركزت على ست أولويات رئيسية: التلاحم السياسي، الانخراط الإقليمي، التعافي الاقتصادي، العدالة الانتقالية، الشمول والفضاء المدني، والبيئة المستدامة، وهي الركائز الأساسية لبناء سلام واستقرار دائمين في اليمن.
تكتسب مخرجات النقاشات التي شهدها المنتدى، والتي يستعرضها التقرير الكامل بمزيد من التفصيل، أهمية أكبر وقت نشر هذا التقرير، إذ توفر وجهات نظر الشريحة المدنية والسياسية اليمنية عن المسار الذي يمضي فيه بلدهم رؤى نوعية في حين تشهد اليمن والمنطقة تصاعد التوترات العسكرية، والتهديد الذي يشكله الحوثيون بجر اليمن إلى مزيد من الصراع، والاحتجاجات واسعة النطاق على الظروف المعيشية في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة.
التلاحم السياسي:
حُدد التلاحم السياسي كأولوية قصوى في جهود توجيه اليمن نحو الاستقرار، في الوقت الذي يوضع دور مجلس القيادة الرئاسي تحت المجهر، فبعد أكثر من ثلاث سنوات على تشكيل المجلس، هناك نظرة واسعة بأن المجلس فشل في تلبية توقعات الشعب اليمني، وأنه يفتقر إلى الإرادة السياسية الموحدة، ويعاني من تضارب الأجندات وغياب مشروع وطني متماسك.
أعربت الأطراف المدنية والسياسية التي حضرت فعاليات المنتدى الثالث، عن الحاجة الملحة إلى إصلاحات جادة للمجلس، من أجل تحسين الحوكمة وإعطاء الأولوية للتعيينات التكنوقراطية القائمة على الكفاءة في المناصب الحكومية الرئيسية، ومكافحة الفساد المستشري الذي قوض بشدة ثقة المواطنين والمانحين في الحكومة. اتفق الكثيرون على أن استعادة الدولة يجب أن تكون في مقدمة أي مشروع سياسي مستقل، بينما أكدت الأطراف الجنوبية المشاركة في المنتدى هذا العام مجدداً على مركزية القضية الجنوبية في أية إصلاحات حكومية. جمعت إحدى جلسات المنتدى السلطات المحلية من مختلف محافظات اليمن، لتبادل الممارسات الجيدة في مجال الحكم المحلي، والتي تمكنت بعضها من الحفاظ على استمرار الخدمات الأساسية على الرغم من العمل في ظل نظام حكم مجزأ، يفتقر إلى الرقابة المركزية ويواجه انخفاضاً في الإيرادات العامة.
الترابط الجيوسياسي والانخراط الإقليمي:
وسعت المناقشات حول الترابط الجيوسياسي والتفاعل الإقليمي نطاق تركيز منتدى اليمن الدولي هذا العام، ليشمل الأزمة اليمنية الدولية في أعقاب هجمات الحوثيين على البحر الأحمر، وقد سهّلت المشاركة الواسعة من دول المنطقة (عمان، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، مصر، الأردن، السودان، الصومال، وإثيوبيا) وكذلك من دول أوروبا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، إجراء حوار أكثر فعالية حول المسار الحالي للسلام والاستقرار في اليمن، وعسكرة البحر الأحمر، وبروز الجهات المسلحة غير الحكومية، وزيادة التهديدات الأمنية العابرة للحدود.
حذر خبراء يمنيون من أن النهج الحالي يتعامل مع اليمن كملف أمني، ويفتقر إلى استراتيجية شاملة لمعالجة الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار، هو نهج خاطئ، وشددوا على أن ضمان الاستقرار في اليمن وبالتالي في المنطقة، يتطلب توحيد الجهود الدولية لدعم الاستقرار الاقتصادي والحكم الرشيد في اليمن، وتوسيع التنسيق الدبلوماسي والإقليمي، وحماية المجتمع المدني في البلاد، وتلبية مطالب اليمنيين بالعدالة، وضمان أن يقود اليمنيون عملية صنع القرار بشأن مستقبلهم بأنفسهم.
التعافي الاقتصادي: استحوذ التعافي الاقتصادي من جديد على الاهتمام العاجل، فما تزال آثار الصراع المستمر منذ قرابة عقد من الزمن، تنعكس على الاقتصاد اليمني، وتضعِف من قدرة السكان على الصمود. أثار انخفاض المساعدات الخارجية، واستنزاف الموارد الحكومية، وتداعيات إعادة تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية من قبل الولايات المتحدة، المخاوف من احتمال تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن.
اجتمع ممثلون عن القطاع المالي والخاص وخبراء في قطاعات النفط والغاز واقتصاديون ودبلوماسيون وممثلون عن منظمات تنموية رائدة في منتدى اليمن الدولي، لمناقشة المسار الاقتصادي الحالي في اليمن، ووضع استراتيجيات للتخفيف من الصدمات الاقتصادية المتوقعة في المستقبل المنظور، وتضمنت الأولويات الأكثر إلحاحاً -التي تناولها المنتدى- ضرورة استمرار مشاركة المانحين في مواجهة التخفيضات والخصومات المضرة بالمساعدات المقدمة إلى اليمن، والتخفيف من الآثار المالية للعقوبات الأمريكية، واستئناف تصدير النفط والغاز اللذين يمثلان المصدر الرئيسي لإيرادات الحكومة اليمنية، وإصلاح آليات الإيرادات العامة لتحسين تقديم الخدمات العامة للشعب.
العدالة الانتقالية:
تأتي العدالة الانتقالية في صميم اهتمامات منتدى اليمن الدولي، بل تُعد مبادرته الرئيسية. انطلقت هذه المبادرة عام 2022، خلال المنتدى الدولي الأول في ستوكهولم، كجهد يهدف لتوعية المجتمع الدولي بالحاجة الملحة إلى تحقيق العدالة لضحايا الحرب في اليمن، وتطورت بعدها لتصبح حاليا خارطة طريق طموحة للعدالة الانتقالية في اليمن. لقد تحققت إنجازات مهمة في هذا الجانب خلال العام الجاري، حيث عُقدت اجتماعات ضمت ضحايا حرب وأطراف سياسية وزعماء قبائل وممثلين عن المجتمع المدني وهيئات محلية ودولية لحقوق الإنسان، بهدف وضع استراتيجية طموحة والمضي قدماً وبشكل جماعي لتحقيق أهدافها، وقد تطرقت المناقشات للركائز الأساسية لخارطة الطريق، ومنها آليات لإشراك الضحايا في اليمن، مستلهمة من تجارب رائدة كالتجربة الكولومبية، وضمان تأييد الأطراف السياسية للتعامل بجدية مع العدالة الانتقالية، وبدء الإصلاحات القضائية كخطوة أولى في التمهيد لعملية عدالة انتقالية، واستكشاف إمكانية دمج القوانين العرفية ذات العلاقة، من أجل نهج أكثر محلية.
الشمول والفضاء المدني: أثارت قضية حرية الفضاء المدني نقاشات استثنائية في منتدى اليمن الدولي الذي جاء انعقاده في توقيت بالغ الأهمية للمجتمع المدني هذا العام، لا سيما عقب فترة وجيزة على حملة قمع وحشية استهدفت الفاعلين المدنيين في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، وكان الحدث الذي ترددت أصداؤه طوال المنتدى. فقد عدد من المشاركين في المنتدى زملاءً لهم داخل معتقلات الحوثيين، ومن المشاركين أنفسهم من تعرض للاعتقال أو أعلن كعدو لسلطة الجماعة، ولا يزال عدد من أحبائهم في المعتقل.
يتقلص الفضاء المدني في اليمن بسرعة، ليس فقط في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، بل في جميع أنحاء البلاد. تواجه منظمات المجتمع المدني اليوم صعوبات جمة في الحصول على التراخيص، وتحتاج إلى أصناف عديدة من الموافقات، وتواجه متطلبات متضاربة من سلطات مختلفة، وتبرز تلك الصعوبات أكثر أمام المنظمات التي تقودها نساء أو التي تركز على قضايا المرأة. يتطلب إحياء المجتمع المدني في اليمن إرادة سياسية جريئة من الحكومة اليمنية، ودعمًا حقيقيًا ومستدامًا من المجتمع الدولي.
نوقشت استراتيجيات معالجة أزمتي المياه والبيئة في اليمن في منتدى اليمن الدولي، حيث يتزايد شعور المجتمعات المحلية في جميع أنحاء اليمن بآثار تدهور البيئة، في الوقت الذي تعاني فيه من تداعيات الحرب. حظيت قضية ندرة المياه باهتمام مركّز هذا العام، يعكس الحاجة الملحة لمعالجة التهديدات التي تواجه أحد أكثر البلدان معاناة من ندرة في المياه في العالم.
طرح موضوعان للنقاش في منتدى اليمن الدولي الثالث: الأول هو التحول العادل للطاقة مع التركيز على مصادر الطاقة المتجددة؛ والثاني هو العدالة الانتقالية الخضراء. يعكس إدراج هذين الموضوعين الاعتراف المتزايد بضرورة ارتكاز الاستدامة البيئية على مبادئ العدالة الاجتماعية والمساءلة وحقوق الإنسان. من خلال استكشاف هذه التحديات المترابطة، أكد المنتدى على إمكانية تحقيق مستقبل أخضر مستدام في اليمن، يستند فيه التحول إلى الطاقة المتجددة إلى مبادئ الإنصاف وحماية البيئة، ويُعترف فيه بأن الأضرار البيئية ونقص الوصول إلى المياه هي أيضاً انتهاكات لحقوق الإنسان، لا يمكن فصلها عن النضال الأوسع نطاقاً من أجل العدالة والكرامة.
توصيات منتدى اليمن الدولي
التلاحم السياسي
إجراء إصلاحات داخلية عاجلة في مجلس القيادة الرئاسي لتحسين الحوكمة.
اتخاذ إجراءات ملموسة وتوافقية بشأن القضية الجنوبية، لضمان دورها المركزي في مفاوضات السلام.
الاستثمار في الحوكمة/الإدارة المحلية وتعزيزها، لتحسين تقديم الخدمات الأساسية للشعب اليمني.
الانخراط الإقليمي
الابتعاد عن التفكير قصير المدى، واتباع استراتيجية شاملة طويلة المدى بشأن اليمن، تعالج الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار.
تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لخفض عسكرة البحر الأحمر، والحد من نفوذ الجهات المسلحة غير الحكومية.
النظر في زيادة التكامل الاقتصادي لليمن ضمن دول مجلس التعاون الخليجي، كاستراتيجية طويلة المدى تدعم تنمية اليمن وتعافيه، وتساهم في استقرار المنطقة.
التعافي الاقتصادي
الحفاظ على وجود المانحين ومشاركتهم في اليمن، لتجنب تفاقم الأزمة الإنسانية ومواءمة التمويل مع استراتيجيات مستدامة بقيادة محلية، لتحقيق تأثير طويل الأمد.
التخفيف من أثر العقوبات على عامة السكان إثر التصنيف الأمريكي للحوثيين كمنظمة إرهابية، لضمان استمرار وصول المساعدات الإنسانية، وحماية القطاع الخاص المحلي.
إنشاء مسار للحوار والدعم الفني لاستئناف إنتاج وتصدير النفط والغاز في اليمن.
تطوير نظام موحد وشفاف وخاضع للمساءلة لإدارة الإيرادات العامة، للحد من التجزئة والفساد وتحسين تخصيص الموارد.
العدالة الانتقالية
إنشاء آلية لضمان وضع الضحايا في اليمن في طليعة جهود السلام والعدالة الانتقالية.
إشراك الأطراف السياسية في العدالة الانتقالية، لضمان التأييد السياسي والعمل على مواءمة نُهج الأحزاب السياسية مع المبادئ المشتركة للعدالة الانتقالية.
منح الأولوية للإصلاحات القضائية، كأساس لبدء عمليات عدالة موثوقة لمعالجة جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان.
البناء على القوانين العرفية اليمنية التي تجسد ممارسات المصالحة، لتوطين آليات العدالة الانتقالية.
الشمول والفضاء المدني
تعزيز جهود المناصرة الدولية لحماية المجتمع المدني في اليمن.
تعزيز الآليات القانونية والحماية للعاملين في المجتمع المدني.
تحسين البيئة التشغيلية لمنظمات المجتمع المدني، من خلال تعزيز التعاون بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني.
المضي قدماً في استراتيجية منسقة لدعم حقوق المرأة وحمايتها، من خلال جهود المناصرة الموحدة.
استراتيجيات مستدامة لمعالجة الأزمة البيئية في اليمن
تبني إطار متكامل وشامل لإدارة المياه، يجمع بين الممارسات الحديثة والتقليدية، ويضمن الوصول العادل والشفاف إلى الموارد.
إرساء الأسس لانتقال عادل وشامل للطاقة في اليمن، من خلال حلول لامركزية ومشاركة مجتمعية قوية.
دمج مفهوم العدالة الانتقالية الخضراء في أطر العدالة الانتقالية في اليمن، من أجل معالجة الأضرار البيئية بفعالية، ودعم الانتعاش البيئي.



