تاتشات

الدفتر-قصة قصيرة

جمال طه

بينما كان صاحب البقالة في حارتنا منشغل بترتيب البضاعة الجديدة ورصها،كانت الريح تلعب بأوراق دفتر الديون الذي نساه على الطاولة الزجاجية التي يستخدمها كحاجز يفصل البقالة عن العالم الخارجي وذلك بعد أن سجل بعض الديون الجديدة .. تقدمت خطوة للأمام ، استرجعت كل ذكرياتي الجميلة مع هذه البقالة وصاحبها الطيب الذي يتحمل كل هذه الأرقام المؤجلة وأسماء أصحابها المحشورة وسط الورق.
تقدمت خطوة أخرى .. تحسست دفتر الديون مثلما يتحسس أحدهم مكان العملية الجراحية بعد أن يستيقظ من المخدر مباشرة .. وبهدوء قلبت الأوراق ، كنت أبحث عن إسمي وهو يتصدر صفحة الوفيات .. هاقد وجدته..كيف يمكن شطبه الآن ؟ هذه هي الفكرة الوحيدة التي طرأت في رأسي حينها . لا أتذكر متى كانت آخر مرة امتلكت فيها قلم في جيبي .. اللعنة على التكنولوجيا والهواتف الغبية .. إن لم أفعلها الآن فلن أتمكن من فعلها أبداً .. لاشك ستفرح الأسماء كلها إن سرقت الدفتر لكن في المقابل سيصبح للحارة مجنون جديد .
تراجعت خطوة للخلف .. لا أحد في الشارع يحمل أقلام ، فالجميع لا يحملون معهم غير الهموم .. هذا الذي أراه يمشي مع أبناءه الأربعة يحمل كمية لابأس بها من الهموم .. حارس الأمن الجالس في الرصيف المقابل لديه ما يكفي من التعب .. السلاح الثقيل والجزمة الكبيرة و الساعات الطويلة من الوقوف المستمر ولا أظنه قادر على حمل أشياء إضافية.حتى صاحب البقالة نفسه يحمل ما يكفي .. كلنا مثقلون بكل شيء إلا أن هذا الدفتر أكثرنا تعاسة وأثقلنا حمولة .
غادرت المكان بينما الريح مستمرة في تحريض الدفتر على الهرب.
  *من صفحة الكاتب على فيسبوك

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق