تقارير

هل يتعرض البهائيون للتطهير الديني في اليمن؟

حلا علي

“أنتم أنجم في سماء العناية”، بهذه العبارات التي استعارها من نص بهائي اختار وائل العريقي، أن يبدأ الحوار  ، ليحدثنا عن ظروف اعتقاله في اليمن مع خمسة آخرين من أتباع الدين البهائي.

وائل العريقي، شاب يمني معتنق للدين البهائي، يخبرنا أنه عرف الدين البهائي أساساً من اعتقال حامد بن حيدرة: “بحثت عنه في الإنترنت وقرأت واطلعت حتى آمنت بهذا الدين، وانخرطت في برامجه حتى اكتشفت أثناء اعتقالي في سجن الأمن القومي بأنني بهائي ومؤمن بهذا الدين”.

وحامد بن حيدرة هو يمني بهائي “اعتُقل على أساس أنه عميل لإيران في عهد عبد ربه منصور هادي، وصدرت الأوامر بالإفراج عنه لكن دخول الحوثيين وسيطرتهم على كل مقاليد الحكم في صنعاء أدى إلى إلغاء هذه الأوامر وتقديمه للمحاكمة بتهمة العمالة لإسرائيل، والنية بإنشاء وطن قومي للبهائيين في جزيرة سُقطرى. وجزيرة سُقطرى غير صالحة للسكن طوال ستة أشهر من العام بسبب الرياح والعواصف فيها”، يخبرنا وائل.

قصة الاعتقال القهري

اعتقال وائل في سجن الأمن القومي هو الاعتقال الأول له: “اعتُقلت مع 67 شخصاً آخرين من الرجال والنساء والأطفال، بتاريخ 10 آب/ أغسطس 2016، قبل اعتناقي الدين البهائي، وأعلنت أنني بهائي داخل سجن الأمن القومي، وكان يجب أن يُفرج عني سريعاً، لكن أمر الإفراج تأجل لأخرج مع آخر دفعة بهائية تم الإفراج عنها بتاريخ 10 أيلول/ سبتمبر 2016. لقد كان هذا أول اعتقال في زمن الحوثيين لهذا العدد. كنا في دورة تدريبية في برنامج الشباب الناشئ، وهو برنامج خدمات مجتمعية تابع لمؤسسة بهائية محلية، ولكن لا علاقة له بالدين نهائياً (أي لا يقوم بالدعوة للبهائية) لأن الدين البهائي يحرّم التحدث في الدين مع الشباب الناشئ. وقد عرفت البهائية عبر هذا البرنامج، ولم أكن بهائياً حينذاك”.

ويبدو أن الإفراج كان مشروطاً بأربعة بنود: “قال لنا شخص يكنى بـ’أبو عماد’، واسمه الحقيقي مطلق المراني، وهو أحد وكلاء جهاز الأمن القومي: نعلم أنكم مسالمون، ولكن بإمكاننا قتلكم ووضع أسلحة بجانبكم لنقول إنكم قاومتم السلطات. وقد وضع علينا أربعة شروط مجحفة للإفراج عنا أولها إيقاف برنامج صفوف الأطفال، إيقاف برنامج الشباب الناشئ، عدم التحدث عن الدين البهائي نهائياً، وألا نشارك بأي ضيافة تسع عشرية، (أحد الطقوس البهائية) وهي تعتبر واجباً على البهائيين ولو بالماء. ومع توقيعنا على هذه الشروط لم يتم الإفراج عنا إلا بعد مصادرة 53 ألف دولار أمريكي وهي حقوق الله، (أي ما يعادل الزكاة في الإسلام)، سلمت إلى المراني باليد”.

يقول وائل العريقي إنه عرف عن الديانة البهائية عندما سمع باعتقال حامد بن حيدرة، فبحث على الإنترنت وقرأ وآمن بالدعوة حتى أعلن ذلك في اعتقاله الأول في سجن الأمن القومي في عام 2016

قبل الاعتقال الثاني، كان وائل على علم بأنه ملاحق من قبل الحوثيين: “جاءني اتصال هاتفي عام 2017 من عضو النيابة الجزائية حينها راجح زائد، الذي عرّفني بنفسه وأخطرني بضرورة الحضور إلى النيابة الجزائية وأعطاني العنوان، وعندما سألت عن السبب، أجابني بأنهم يريدون سؤالي حول البهائية. بدأتُ بعدها بالتواصل مع أصدقائي البهائيين وكلمت وليد عياش (وهو أحد البهائيين الستة المعتقلين) وغيره، فأعلموني أنهم تلقوا الاتصال ذاته. التقينا في نفس اليوم في منزل وليد عياش بنية الذهاب إلى مبنى النيابة برفقة محامين معنا. هؤلاء المحامون وحقوقيون آخرون تواصلنا معهم وذهبوا إلى مبنى النيابة، أخبرونا أن هذا الإجراء غير قانوني، إذا لا يوجد في القانون استدعاء نيابة عن طريق الهاتف، ونصحونا بعدم المثول لأننا أمام القانون لسنا مطلوبين، ولا بد وجود طلب رسمي يُسلّم عبر محضر من النيابة أو قسم الشرطة الموجود في المنطقة أو عاقل الحارة (المختار)، يبيّن أسباب استدعائنا. ومع ذلك وكّلنا محاميين اثنين لتمثيلنا أمام النيابة”.

يذكر وائل أن شخصاً واحداً من المجموعة التي تلقت الاتصال الهاتفي ذهب للحضور في النيابة الجزائية: “المهندس بديع الله سنائي هو الشخص الوحيد الذي مثل أمام النيابة، وقد تم اعتقاله لأيام في مبنى النيابة الجزائية في صنعاء، وحركت قضيته عند وزير العدل وعند النائب العام، وأصدروا أمراً بالإفراج الفوري عنه بدون شرط، لكن النيابة تمسكت بشرط ضمانة الضمين لتنفيذ أمر الإفراج. وهو مهندس وشخصية بارزة في اليمن ومنح الجنسية اليمنية من اثنين من الرؤساء”.

اجتمع وائل ورفاقه في منزل وليد عياش مع محامين نصحوهم بعدم البقاء في أماكن سكنهم في تلك الليلة: “لقد علمنا بأننا مطلوبون، خاصة بعد أن استخدم عضو النيابة ألفاظاً عدائية ضدنا. حتى أن إحدى الناشطات الحقوقيات في اليمن (التي نحرص على إخفاء هويتها حرصاً على سلامتها الشخصية)، ذهبت إلى النيابة وتم تهديدها من قبل راجح زائد بعبارات مثل ‘اليوم نشن حملة اعتقال على البهائيين، لكننا بعد ذلك سنبدأ باعتقالكم جميعاً أنتم ناشطو المجتمع المدني’. وقد وصلتنا أخبار عن طريقها وعن طريق أكثر من مصدر مؤكد، بأن راجح زائد قام بتحرير أمر اعتقال قهري بحقنا لإحضارنا بالقوة، وهو ما لا يجب أن يحدث إلا بعد تقديم الطلب لثلاث مرات. في المرة الأولى يكون أمر استدعاء ودي، وفي حال رفضه يتم إلحاقه بأمر ثان ثم ثالث من النيابة، ليأتي بعدها أمر الاعتقال القهري. ولكن في الحقيقة لم يتم استدعاء أي منا وفق هذه الإجراءات القانونية المتسلسلة، بل تمت مخالفة القانون وتحرير أمر الاعتقال القهري على الفور”.

وُجّهت لهم تهم تتعلق بالتجسس لإسرائيل وأمريكا وبريطانيا والإضرار بالموقف السياسي لليمن، ثم تهمة الردة عن الإسلام، وكانت الصفقة: عودوا عن دينكم لتخرجوا فوراً من السجن… البهائيون في اليمن

وائل الذي لم يبت في المنزل في ذلك اليوم، يقول: “تمت مداهمة واقتحام الشقة التي أسكن في شارع الرباط، تم خلع الباب ومصادرة كل الكتب البهائية التي أقتنيها وفقدت بعض الممتلكات الأخرى، وترك باب البيت مفتوحاً. أمضيت الليلة في منزل أحد الأصدقاء قبل أن أغير عنوان سكني إلى منطقة الدائري في صنعاء”.

اعتقل وائل في 23 مايو 2017 في شارع الستين بالقرب من الطريق الذي يؤدي إلى مبنى الأمم المتحدة: “وقفت سيارة هاي لوكس، في الجهة المقابلة أمام المحال التجارية وقف شخصان مدنيان. كنت أهم بإشعال سيجارة حين اقترب أحدهم وطلب مني ان أشعل سيجارته، ليداهمني الآخر بالسؤال: هل أنت وائل؟ ولم أكد أجب حتى كتفوني ورفاقي وجرونا جر إلى السيارة. وحين سألتهم من أنتم أجاب: نحن المسلمون، فأغلقت الباب وبدأت أقاومهم، حتى قال الرجل الثاني: نحن الأمن وسمعت نغمة جهاز اللاسلكي الخاص بالأمنيين فقبلت في النهاية بالذهاب معهم لأني كنت أعرف أني مطلوب أصلاً، وقد عصبوا عينيّ على الفور بالشماغ الذي يعصب فيه الرأس، ودفعوا برأسي للأسفل. حاولت المقاومة في البداية ورفع رأسي لكن بعد ردات فعل عنيفة منهم، رضخت”.

ظنّ وائل وسط هذا أنه يساق إلى النيابة الجزائية، لكنه اكتشف غير ذلك: “بعد رحلة طويلة في السيارة، أعتقد أنهم أدخلوني إلى مبنى بعد إنزالي من السيارة، وطلبوا مني أن أبقي رأسي منخفضاً. نزعوا عني الشماغ واستبدلوه بعصابة للعينين تخص الأجهزة الأمنية. كنت أظن أنني في النيابة الجزائية، لذلك استغربت هذه الإجراءات الأمنية المشددة. قادني أحدهم إلى درج ثم سمعت صوتاً يقول: هذا وائل العريقي، هذا بهائي! ظننت أنه يعرفني لأول وهلة. طلبوا بعد ذلك أن أخلع حذائي وحزامي وأن أضع لهم كلمة المرور للدخول إلى هاتفي المحمول”.

“وحين ترددوا برفع عصابة عيني، سمعت أحدهم يقول بصوت ليس غريباً عليّ: عادي! لا تخشوا منه، هذا بهائي والبهائيون لا خوف منهم. حين رأيته عرفت أنه شاويش مكلف على المساجين، واكتشفت أنني في مبنى الأمن السياسي الواقع في الحي السياسي (حي حدّة) في مدينة صنعاء، وهو يبعد ما لا يزيد عن 10 دقائق عن مكان اعتقالي، لكنهم قصدوا تضليلي برحلة السيارة الطويلة. وتم إنزالي بتاريخ 23 أيار/ مايو 2017 إلى الزنزانة الانفرادية في مبنى الأمن السياسي، وهذه كانت بداية الاعتقال”.

يتعرض البهائيون المقيمون حالياً في اليمن لنوع من “الحرب الصامتة”، عبر إقصاء أبنائهم عن التعليم وإجراء اختبارات النجاح، وتجميد الحسابات المصرفية ومصادرة الممتلكات والتهديد بالاعتقال دائماً بتهمة الردة أو التجسس

يذكر وائل أنه اكتشف لاحقاً أن الجهة التي تعتقله هي الأمن القومي، ولكن بسبب تفجير مبنى الأمن القومي بالطيران، أقاموا في مبنى الأمن السياسي.

أنا لست عميلاً… أنا بهائي

بعد فترة قصيرة من وصول وائل إلى السجن استُدعي للتحقيق: “المحقق رحب بي، وقد عرفته من أول اعتقال لي في 2016، لكنني لم أبين له ذلك، وتبادلنا بعض العبارات العادية القصيرة قبل أن يرجعوني إلى الزنزانة. كان الاستدعاء الثاني في عصر ثاني أيام شهر رمضان 2017، إلى غرفة الزيارات التي لم أتمكن من التعرف عليها إلا لاحقاً، لأن التحقيق كان يتم وأنا معصوب العينين ومكبل اليدين، وسألني المحقق: هل أنت صائم أم مفطر، فأجبته: أنا بهائي، لدينا شهر العُلا لنصومه وصيام رمضان ليس فرضاً علينا، ولكني احتراماً لشريكي المسلم في الزنزانة لا أتناول الطعام أمامه أثناء صيامه. ضربني على رقبتي (من باب المزاح)، وحثني على تناول الطعام متى أشاء بشكل طبيعي. بعد هذا بدأ التحقيق والضرب واللطم وشتى أنواع التعذيب. لكم أن تتخيلوا ما يحدث مع رجال المخابرات من إهانات لفظية وانتهاكات جسدية وعنف. بقيت آثار التعذيب تؤلمني مدة تقارب الأسبوعين”.

في فترة الحبس الجماعي، يخبرنا وائل أنه سجن في الزنزانة نفسها ما يقارب سبعة أشهر مع عناصر من داعش والقاعدة، من الذين ذبحوا أفراد الأمن وقاموا بالتفجيرات في مناطق مختلفة في اليمن، قبل أن ينقل إلى زنزانة أخرى للسجناء السياسيين ومعتقلي الرأي: “تخيل أن يضعوا بهائياً مسالماً لا علاقة له بالسلاح وأساليب العنف مع هؤلاء ويقومون بتحريضهم عليه بدافع الدين، أليس هذا شروعاً بالقتل؟ طلبوا أذيتي من بعض عناصر القاعدة من المساجين، وقد عرفت أن بعض القائمين على شؤون إدارة السجن طلبوا منهم إيذائي والتضييق عليّ، لكنهم لم يفعلوا ذلك لأنهم وجدوا كما قالوا لي ‘أنت إنسان طيب ومسالم ولم نجد منك أي سوء’. وقد أخبرني أفراد من داعش أنهم خططوا لقتلي كي يتقربوا بي إلى الله، لكنهم أجّلوا الموضوع. وبهذا كان حبسي مع عناصر من القاعدة وداعش بمثابة شروع بالقتل”.

لكن وائل تعرض فعلاً لحادثة اعتداء بالضرب، من قبل أربعة أشخاص من تنظيم القاعدة: “أدخل إلى الزنزانة أربعة من عناصر القاعدة، اعتدوا علينا من الخلف بضرب مبرّح أنا وكيوان قادري وهو البهائي الوحيد الذي بقي من اعتقال آب 2016 في السجن

بقي وائل في سجن الأمن السياسي، ولم يخرج منه حتى تاريخ 30 حزيران/ يونيو 2020، ولم يعرض على نيابة أو محاكمة أو أي جهة قضائية خلال حبسه حتى 12 أيلول/ سبتمبر 2018، أي أنه كان قبل ذلك بحكم المختطف لمدة سنة وشهرين لأن أقصى مدة احتجاز، بأمر النيابة وفق القانون اليمني، كما قال لنا، لا تتجاوز ستة أشهر للتحقيق: “لم يسمحوا لي بإجراء أي اتصال إلا بعد مضي أربعة أشهر على الاعتقال، ومنعوني من أن أذكر مكان احتجازي، كانت الكلمة الوحيدة التي سُمح لي بقولها: كيف حالكم؟ أنا بخير! وأغلقوا عليّ الاتصال بعدها. ولم يسمحوا بالزيارة العائلية إلا بعد أكثر من ثمانية أشهر. وبتاريخ التاسع من أيلول/ سبتمبر 2018 عرضت على النيابة لتكون أول محاكمة في 15 سبتمبر. غير أن الأمن القومي أعاد التحقيق معي وأرغموني على أن أبصم على أقوالي وحذرني المحقق من ذكر هذا لأحد قائلاً: خلي القاضي ينفعك”.

التحقيقات التي دارت في الأمن القومي حول البهائية، لم تتضمن أي تهم واضحة موجهة لوائل بل كانت عبارة عن مماطلة من الجهات لإطالة مدة حبسه، كما يخبرنا وائل: “ألزمونا بالتوقيع على تعهدات خلال اعتقالنا في 2016، فقلت لهم: نحن التزمنا بالتعهدات، لكن أنتم لم تلتزموا، فما هي تهمتنا الآن، وما سبب اعتقالنا، ما هي تهمتي؟ أنني بهائي، إذا كان الدستور اليمني يكفل لي حرية الدين والمعتقد، فما الذي يوجب اعتقالنا أنا ورفاقي؟ وحين سألته: إلام سينتهي بنا الأمر، قال: من المحتمل أن نحكم عليكم بالإعدام بتهمة الردة، فأجبته أنا وأصدقائي مستعدون للتضحية والموت. كان الأمر بسيطاً في البداية، بالنسبة لهم ينتهي الأمر بتراجعنا عن اعتناق الدين البهائي، وهذا كان شرطهم للإفراج عنا، ولكننا رفضنا جميعاً. ثلاثة منا كانوا معتنقين للدين: أنا ووليد عياش وأكرم عياش، أما البقية فكانوا بهائيين بالأصل”.

“كن كما تشاء، أنت حر، طالما أنت بعيد عن التعصب وتقدر مبادئ التعايش مع الآخر. الأديان من وجهة نظري عبارة عن ظنيات. أشياء إيمانية وليست حقائق علمية… لذا يجب أن نقبل ببعض ونتعايش. أن نبني ونعمل لصالح الإنسان أياً كان دينه أو عرقه أو معتقده”

الشيخ وليد عياش، شيخ قبلي وصاحب مكانة مرموقة في اليمن: “اعتقل قبلي في شهر نيسان/ أبريل من عام 2017 في مدينة الحديدة، وقد كلمني قبل اعتقاله ليبلغني أننا جميعاً سنذهب إلى النيابة الجزائية لمعرفة سبب استدعائنا، لكن تم اعتقاله قبل ذلك، ونظمنا وقفة احتجاجية سلمية غطاها موقع (الاشتراكي نت)، احتجاجاً على تعنت النيابة بعدم إحضاره إلى صنعاء، خاصة وأنه مرض في سجنه وتم إطلاق الرصاص حولنا بشكل عشوائي وهستيري لتفريقنا. خرج يومها راجح زائد علينا قائلاً: سنعدم صاحبكم، اليوم ستسيل الدماء حتى الركب. بعد ذلك اعتقلت، ثم اعتقل المهندس بديع الله في 24 حزيران/ يونيو 2017، وبعدها بحوالي خمسة أشهر اعتقل أكرم عياش، وهناك أيضاً كيوان محمد علي قادري الوحيد الذي لم يفرج عنه منذ اعتقال 2016”.

وفي النيابة، يقول وائل: “وجهت لنا تهم تتعلق بالتجسس والعمالة لإسرائيل وأمريكا، وفي المحكمة أضاف القاضي عبده راجح تهمة العمالة لبريطانيا والإضرار بالموقف السياسي والاقتصادي للجمهورية اليمينة، ثم لاحقاً وجهوا إلينا تهمة الردة، وكل التهم التي يعاقب عليها القانون بالإعدام، والبهائية والبهائيون براء منها بالمطلق”.

أمر الإفراج… أمر النفي

صدر الأمر بالإفراج عن المعتقلين بتاريخ 25 آذار/ مارس 2020، يروي لنا وائل كيف تلقى الخبر في زنزانته: “كنت نائماً حين أيقظتني ضجة رفاقي وأحضانهم واحتفالاتهم، وهم يقولون لي: مع السلامة، أنت خارج، لقد أصدر المشاط أمر الإفراج عن البهائيين. وفعلاً قد قرأت الخبر على الشريط الإخباري من الشاشة التي ركبوها لنا في السجن لنتابع القناة الوحيدة التي تبثها وهي قناة ‘المسيرة’ للحوثيين. بعد ذلك مرت الأيام بانتظار الإفراج دون أن يحدث شيء. بعدها في 10 نيسان/ أبريل أخذونا نحن الخمسة إلى المحكمة الجزائية، ونحن منفصلون عن قضية حامد، لأن حامد كان أقدمنا وقضيته مختلفة عنا وهو مسجون في السجن المركزي”.

“حضر الجلسة القاضي وأيضاً رئيس النيابة الجزائية خالد الماوري. وأحضر قراراً من النائب العام بقرار الإفراج الصادر عن رئيس المكتب السياسي الأعلى مهدي المشاط، والنيابة الجزائية طالبت بالإفراج عنا بموجب ذلك القرار، وكان محامينا الأستاذ عبد العزيز السماوي الذي كانت قضيتنا آخر مرافعة له قبل وفاته. وصدر قرار المحكمة من القاضي مجاهد العمدي بالإفراج عنا نحن الخمسة وإغلاق القضية. وبعد أن مرت ثلاثة أشهر ونحن في الزنزانة فقدنا الأمل بالخروج. لكن الإفراج جاء بضغط من المنظمات الحقوقية الإنسانية المحلية والدولية. وأنا أحب أن أوجه الشكر عبركم لكل مَن ساهم في قضيتنا من أفراد ومؤسسات”.

ويبدو أن الإفراج عن وائل ورفاقه كان مشروطاً بنفيهم إلى خارج اليمن: “برغم تصريح السلطات الحوثية بأن خروجنا من اليمن كان باختيارنا، هذا ليس صحيحاً أبداً. لقد زارتنا مندوبة الأمم المتحدة في السجن وسألتنا إن كنا نود مغادرة البلاد، وأعربنا لها عن رغبتنا بالبقاء في اليمن، لكننا قلنا لها لو كان سفرنا هو الطريقة الوحيدة للخروج من السجن فنحن موافقون. وقد هوجمت منظمات الأمم المتحدة من قبل العديد من الجهات لاعتقادهم بأنهم ساهموا في نفينا، وهذا ليس صحيحاً. للأسف الجانب الحوثي كان مصراً على استمرار الاعتقال ولم يكن هناك خيار أمام المجتمع الدولي إلا أن يتركونا في السجون نواجه ما نواجهه من سوء معاملة وتعذيب نفسي، أو أن يتم ترحيلنا إلى خارج البلاد فساعدونا لأن نخرج من واقع ومستقبل مجهول الملامح. ونحن إلى الآن منفيون من بلادنا، ولم يتم الإفراج عنا نهائياً، بل نحاكم كفارين من وجه العدالة”.

يحرم الدين البهائي على أعضائه العمل بالسياسة أو ممارسة نشاطات خاصة بالدعوة إلى الدين البهائي

عن خروج قضية البهائيين المعتقلين للرأي العام، يخبرنا وائل أن ذلك ساهم في لفت النظر إليهم وإلى قضيتهم: “تفاجأنا بعد اعتقالنا بخروج بيانات من الأمم المتحدة ومن عدة جهات أخرى. لكنه للأسف لم يكن له تأثير على مسار المحاكمة لأن الحوثيين لا يكترثون لأي شيء، بل لعلهم يستخدمون المحاكمات كورقة ضغط لصالحهم”.

واليوم يعيش وائل ووليد عياش وأكرم عياش في لوكسمبورغ، بينما ذهب كيوان إلى أمريكا: “من مطار صنعاء في اليمن، هبطت الطائرة في مطار عدن، ومن هناك إلى مطار أديس أبابا في إثيوبيا التي استضافتنا 15 يوماً قبل مغادرتنا إلى لوكسمبورغ، وأنا هنا أشعر بالأمان، الشعب مؤدب جداً ومسالم”.

وعن اندماج وائل في مجتمعه الجديد، يقول: “حالياً حاجز اللغة يشكل عائقاً كبيراً أمامي، أحاول التواصل باللغة الإنكليزية، لكنني سجلت في مدرسة لتعلم اللغة الفرنسية وسأباشر فيها قريباً”.

بين واقع الإبادة وماضي التعايش

تتباين الأعداد التي تذكرها التقارير حول أعداد البهائيين في اليمن بتباين المصادر، ويخبرنا وائل: “في ظل الأوضاع الراهنة والمضايقات التي يتعرض لها البهائيون المقيمون في مناطق سيطرة الحوثيين التي نسميها الحرب الصامتة، من إقصاء أبنائهم من الاختبارات المدرسية والتضييق عليهم وتجميد حساباتهم المصرفية والتهديد في كل لحظة، أصبح البهائيون يخفون اعتناقهم للمذهب لأننا نتعرض للإبادة وللتطهير الديني. وبالتالي من الصعب في الظروف الحالية أن نحصر عدد البهائيين. في عام 2017، كان يفوق العدد 3000، وقد وصلتني الأخبار أن الأعداد كانت تزيد خلال سجني”.

الوضع ليس أفضل للبهائيين في إيران، ويقول وائل: “البهائيون داخل إيران مستباحون، وإيران قررت القضاء على البهائية في داخل إيران وخارجها. أينما امتد النفوذ الإيراني فعدو إيران قبل كل شيء هو البهائية”.

وعن وضع البهائيين في زمن الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، يخبرنا وائل أنه تم اعتقال البهائيين في عهده في 2008، لكن تمت تسوية الموضوع تماماً: “أيام علي عبد الله صالح لم يكن له مشاكل مع البهائيين لأنه يعرف أن السياسة والتدخل في النزاعات السياسية محرمة علينا نحن البهائيون، فحُلّت مشكلة البهائيين وتمت معاملتهم كالإخوة المسيحيين، وكنت معتقل مع راعي الكنيسة الوطنية ومركزها في مدينة تعز وتعمقت علاقتنا، وباستثناء هذا الاعتقال كانت الدولة توفر كل الرعاية وكل شيء في ذاك الوقت، على الأقل كان هناك دولة تتعامل معنا وكانت تقام الفعاليات البهائية بكل أريحية في ظل النظام السابق”.

واليوم الكثير من البهائيين يجدون أنفسهم مضطرين لمغادرة البلاد بطرق مختلفة لأنهم ملاحقون ومطلوبون للسلطات الحوثية، وبينهم أطفال ونساء، أعتقد أن عدد المطلوبين اليوم 24 شخصاً معظمهم من البهائيين، وقد تم تجميد حساباتهم المصرفية بالكامل.

لا يقوم البهائيون بنشاطات تبشيرية أو دعوية، فبحسب وائل: “يحرم الدين البهائي الدعوة أو التبشير، وإنما يكتفي بالتبليغ برسالة حضرة بهاء الله، أي بعد أن يسمع الشخص عن الدين البهائي يعود له أمر الرغبة بالبحث عنه بنفسه، وله أن يحصل على المساعدة إن طلبها”.

“الشعب اليمني متقبل لكل أنواع الفكر والمعتقدات والأديان وحتى الإلحاد واللادينية. عدم القبول يأتي من الحركات الراديكالية ومن المتعصبين، هؤلاء يستبيحون دمنا، فهؤلاء لا يملكون إلا بضاعة وحيدة هي التطرف والتعصب”

ويبدو أن الحرب على البهائية ليست حرباً شعبية أو شرارة لنزاعات طائفية بين أطياف الشعب اليمني، وإنما بحسب ما يفيدنا وائل: “الشعب اليمني متقبل لكل أنواع الفكر والمعتقدات والأديان وحتى الإلحاد واللادينية. عدم القبول يأتي من الحركات الراديكالية ومن المتعصبين، هؤلاء يستبيحون دمنا، فهؤلاء لا يملكون إلا بضاعة وحيدة هي التطرف والتعصب.” والدين البهائي يختلف بمفهومه عن المفهوم التقليدي للدين.

يصف وائل الشريعة البهائية بـ”الشريعة المتكاملة”. يقول: “لدينا نظامنا الخاص بنا وشرائعنا في المواريث والزواج وكل المسائل الأخرى. الرجل والمرأة لهما نفس المميزات في مجال المواريث، والزواج محرم بأكثر من امرأة واحدة، والمرأة في الدين البهائي لها أولوية أكثر من الرجل، ومن المآثر البهائية أنه لن يتحقق السلام العالمي إلا بالمرأة’. ولم تكن لدينا إشكالية في عهد علي عبد الله صالح في تطبيق هذه الشرائع، إنما لم يكن معترفاً بنا بشكل رسمي، فبعض المعاملات كالزواج مثلاً كانت تتم وفق قانون الدولة اليمنية”.

ومن خلاصة تجربته يختتم وائل حوارنا معه بعبارات ربما تختصر الكثير من أسباب النزاعات القائمة في العالم: “كن كما تشاء، أنت حر، طالما أنت بعيد عن التعصب وتقدر مبادئ التعايش مع الآخر. الأديان من وجهة نظري عبارة عن ظنيات يؤمن بها من اعتنقها وهي أشياء إيمانية وليست حقائق علمية. لا أحد يعلم من منا يمتلك الحقيقة أياً كان معتقده، لذا يجب أن نقبل ببعض ونتعايش. أن نبني ونعمل لصالح الإنسان أياً كان دينه أو عرقه أو معتقده أو انتماؤه”.

 

*المصدر:رصيف22

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق