أخرى

حصار ثقافي

عبدالحميد الكمالي

بين أزمة الاتصالات والعملة النقدية القديمة والجديدة والبيانات التي تحدد ربطة الخصر للنساء وقصات الشعر الشبابية والحصار البحري والجوي والبري كلها ترتبط بالثقافة بشكل رئيسي أو بطرق فرعية ، ولو اتجهنا نحو المصير الذي نتخيله لبعد 4 سنوات أو 5 سنوات ، كيف سيكون مآلات الأوضاع ، سنجد أن كل ما يحدث هو تراكم للجهل وعدم تقبل الآخر ومراعاة مصالح العامة والبلد قبل مصلحة الشخص والنفوذ والرغبات والنزوات ذات الطابع الديني .

وكل ما يحدث أراه من زاوية أخرى لم ندركها على مدى سنين الحرب وحتى الآن ، زاوية الثقافة والأدب والقراءة والكتب والزاد المعرفي ، ورغم عدم وجود إحصائية دقيقة إلا أننا قبل الحرب كنا متصلين ثقاقياً وادبياً بالعالم ، كانت الكتب تصل بشكل متواصل لليمن كتب الثقافة والأدب والبحوث والفلاسفة والتاريخ والمجلات العربية الثقافية والسياسية والتكنلوجيا والرياضية والصحف اليومية الأسبوعية والمتخصصة والشاملة والعربية والعالمية، وكلها كانت ترفع من وعي المجتمع والمواطنين وكأنها كانت جرعة وعي مستمرة ، فجميعنا ما زال يمتلك مجلة العربي في رفوف بيته وكتب لنزار قباني ومحمود درويش وأمل دنقل والبردوني وروايات لمحمد عبدالولي وطه حسين والعقاد وقائمة طويلة من الأسماء، ومع بداية الحصار كان أكثر ما تأثر هو الجانب الثقافي فخلال خمسة أعوام من الحرب لم تدخل المجلات أو الكتب ، حتى أغلب إصدارات الكتاب اليمنيين لم تدخل اليمن وما زالت كتبهم واصدراتهم تنتظر انتهاء الحصار لتدخل إلى اليمن.

فخلال العام الواحد يقام بكل الدول العربية على الأقل معرضين للكتاب وتدخل لكل دولة عدد كبير من الكتب والعناوين الجديدة تزيد الشعوب وعياً ، فهل أقيم من بداية الحرب معرضاً للكتاب في اليمن ، ورغم أن لدينا وزيرين للثقافة، حتى قاعة اكسبو التي كانت تحتضن معرض الكتاب في صنعاء قصفت وأصبحت ركام .

وقد نغض الطرف عن الكتب وجوانبها بسبب وجود الإنترنت لكننا وصلنا بإرتفاع سعر الإنترنت أغلى من إقتناء كتاب ، فنحن نمر بمرحلة حصار من كل الجوانب حصار إنساني وصحي وثقافي وإسلامي وحصار مبادئ وحصار فساد وحصار التشدد الديني ، وكلها كمسامير تدق في تابوت المواطنين.

نحن بمرحلة مفصلية فقد بدأ جيل يكبر دون أن يقرأ كتاباً واحداً ، دون أن يطلع على عنوان صحيفة أو يكمل مجلة واحدة أو يقرأ فهرس لكتابٍ ما ، فالكتب هي من ستخلق جيل جديد يستطيع بناء السلام وتقبل الآخر، جيل قادر على التخطيط وبناء دولة وانتشالها من بين ركام الحرب وتضميد جراحاتها، جيل قادر على احتواء الجميع بمختلف اتجاهاتهم ، الكتب هي أساس لتقبل الحوارات فحينما يطول هذا الحصار لن يكون بجانبا سوى جيل يرفض السلام والتعايش ولا يستطيع حتى معرفة الإنسانية وسنتدرك حينها أثار الحرب التي تمتد لإجيال وآثارها المدمرة على الإنسان، فالبنى التحتية يمكن للبلد تعويضها لكن وعي جيل كامل صعب أن يتغير بعدما كبر وتأقلم بأفكار ومعتقدات مميتة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق