تقارير

كيف حول الحوثيون اليمن الى سوق سوداء كبيرة؟

مانشيت-متابعات

في تجارة العملات، وفي بيع البترول والغاز والديزل، وفي تجارة الأدوية، وعند تقديم خدمات الاتصالات والإنترنت، وفي بيع الكتب المدرسية، وحتى عند التقدم للدراسة في الجامعات الحكومية، وعند الحاجة للحصول على البطاقة الشخصية وجواز السفر، كل تلك الخدمات والمنشآت وغيرها تحولت إلى سوق سوداء، يُستغل بها اليمنيون، ويدفعون بواسطتها الثمن الباهظ، خصوصاً في المناطق الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي، التي اجتاحت الدولة اليمنية، قبل نحو 5 أعوام، حتى أضحت هذه الأداة وسيلة منظمة لتدمير الاقتصاد القومي لليمن.

في 2016، كتب الصحفي اليمني المقتول مسموماً “محمد عبده العبسي”، تغريدة على صفحته بموقع “تويتر”، قال فيها: “البلد كله سوق سوداء، حتى على مستوى البشر، كانت ذروة السوق السوداء إلى وقت قريب في الوقود والعملة. مؤخراً دخلت على الخط، وبقوة، المنظمات والعمل الإنساني.. وهكذا من سيئ إلى أسوأ”. واختتم العبسي تغريدته متسائلاً: “أيوجد حقبة أحط من هذه التي نحن فيها؟”. وجاء الرد على تساؤل العبسي بعد عامين من مقتله، في تقارير عن هيئات دولية تؤكد تورط منظمات بيع المساعدات الغذائية والإيوائية للفقراء والنازحين في السوق السوداء. وفي الآونة الأخيرة صدرت دراسة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حول تأثير استمرار الحرب على التنمية في اليمن، حيث توقعت أنه في “حال استمرت الحرب حتى نهاية 2019، فإن اليمن ستخسر 21 عاماً من مكاسب التنمية، وفي حال استمرار الحرب أكثر من ذلك، فستفقد اليمن 40 عاماً”.. مقابل ذلك هناك ازدهار تنموي وثراء كبير لدى تجار الحرب من كل الأطراف وهوامير “السوق السوداء”.

فما هي السوق السوداء؟

تُعرف السوق السوداء بأنّها السوق التي تتم فيها التعاملات التجارية التي تتجنب القوانين والتشريعات الحكومية والتهرب من الضرائب، حيث يتم بهذا السوق الاتجار بالبضائع غير المشروعة، وتكون هذه البضائع غير متاحة للجميع لشرائها، ويتم الدفع بهذه السوق من خلال التحويلات النقدية، لكن جماعة الحوثي استخدمت أساليب أخرى لتحويل سلع وخدمات اعتاد الناس الحصول عليها بيسر وسهولة قبل العام 2014، إلى سوق سوداء تباع فيها السلع والخدمات بأسعار باهظة، الأمر الذي ضاعف من معاناة المواطنين المنشغلين بقتلاهم وجرحاهم وأمراضهم الذين ملأوا اليمن حزناً من أقصاه إلى أدناه.
سوق الصرافة السوداء
بعد أشهر من انقلاب جماعة الحوثي على الدولة اليمنية، عام 2014، تراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي لليمن من 4.7 مليار دولار في مارس من العام ذاته، إلى 987 مليون دولار في سبتمبر 2016، بسبب استنزاف الحوثيين للاحتياطي الأجنبي لتمويل حروبهم وتغطية التزاماتهم تجاه مقاتليهم، وهجرة رؤوس الأموال التجارية من المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، الأمر الذي تسبب في قلق أعداد كبيرة من مودعي الدولارات والعملات الأجنبية في البنوك اليمنية، حينها اتهمت الحكومة الشرعية جماعة الحوثي بنهب احتياطيات البنك المركزي المقدرة بـ5 مليارات دولار، أعقب ذلك تدهور اقتصادي تمثل في انقطاع صرف مرتبات بعض الجهات الحكومية، وبسبب ذلك اضطر الحوثيون عبر المؤسسات المالية التي يسيطرون عليها، لإصدار قرارات تحظر على المسافرين المغادرين في المحافظات الخاضعة لسيطرتهم، حمل مبالغ تزيد عن 10 آلاف دولار. كما عمل الحوثيون على فتح المجال أمام الشركات التجارية التابعة لهم لاستيراد الوقود بالعملة الأجنبية، جميعها عوامل أسهمت في التهيئة لوجود سوق سوداء لصرف العملات الأجنبية، يديرها ويشرف عليها الحوثيون، وفقاً لتقرير صادر عن وزارة التخطيط اليمنية، وخلال عامي 2015 و2016، كانت البنوك ومحلات الصرافة في صنعاء والمناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، ترفض صرف الفئات الصادرة عامي 2003 و2006 من الدولار الأمريكي، دون وجود مبرر منطقي لذلك الإجراء.
وخلال الفترة التي أعقبت الانقلاب الحوثي حتى منتصف العام الجاري 2019، بلغ عدد شركات ومحلات الصرافة المملوكة لأفراد موالين للحوثيين، في أمانة العاصمة وحدها، نحو 1350، بحسب رئيس مؤسسة “الإعلام المالي والاقتصادي للدراسات”، أحمد سعيد شماخ .
وبحسب تقارير اقتصادية أخرى، فقد استحوذت السوق السوداء للعملات الأجنبية على نحو 90% من حجم تداول العملات الأجنبية في اليمن، حتى وصل سعر صرف الدولار إلى 700 ريال يمني . وفي يوليو 2018 غطى البنك المركزي اليمني بعدن الاعتمادات البنكية لاستيراد السلع الغذائية الأساسية، بسعر مناسب بلغ 440 ريالاً للدولار الواحد، بهدف استقرار سعر الصرف، لكن تلك الإجراءات المتخذة، لم تفلح في كبح جماح سماسرة تجارة العملة الأجنبية الموالين للحوثيين المضاربين في العملة، أضف إلى ذلك ظهور سماسرة آخرين موالين للحكومة اليمنية الشرعية، عملوا على مساعدة أقرانهم الحوثيين في ازدهار السوق السوداء الموحدة. وحتى يومنا هذا لم تشهد السوق المصرفية أي تحسن ملحوظ، بل إن ازدهار السوق السوداء في تجارة العملات، انعكس سلباً على كافة المتطلبات الاقتصادية لليمنيين.
غاز وبترول
في الـ27 من يوليو 2015، أصدرت ما تسمى اللجنة الثورية العليا التابعة لجماعة الحوثي، قراراً قضى بتعويم المشتقات النفطية وربط بيعها بسعر البورصة العالمية، وزيادة مبلغ 5 ريالات على اللتر الواحد من مادتي البنزين والديزل، لتمويل إنشاء محطة كهرباء، والسماح لشركات من القطاع الخاص باستيراد المشتقات النفطية. كانت تلك القرارات هي نقطة انطلاقة الأسواق السوداء الجديدة التابعة للجماعة الحوثية وتوسعها، ومنذ ذلك الحين انتشرت الأسواق السوداء التي تبيع البترول والغاز والديزل على مرأى ومسمع الجميع، بل بحماية الحوثيين، ففي صنعاء تنتشر الأسواق السوداء لبيع البترول والغاز في شوارع “خولان والصافية ونقم وحزيز وجولة عمران وذهبان”.
في حديثه لـ”المدونة اليمنية”، يقول محمد المطري، وهو سائق تاكسي في العاصمة صنعاء: “ما بين فترة وأخرى اعتدت أنا وسائقي سيارات التاكسي على تموين سياراتنا من السوق السوداء، بسبب الأزمات المفتعلة من قبل الحوثيين، لأننا مضطرون، ما لم فسوف تتعطل أعمالنا”. ويضيف قائلاً: “لقد طال أمد الأزمات المفتعلة في البترول والغاز والديزل، وأضحت السوق السوداء هي السوق الرسمية للحوثيين سواء شئنا أم أبينا”.
في الأشهر الأولى للانقلاب الحوثي على الدولة، كان تجار تابعون لجماعة الحوثي يبيعون البترول والديزل عبر محطات متنقلة فوق سيارات مكشوفة، كما كانوا يبيعون الغاز عبر محطات صغيرة انتشرت بشكل كبير في عدد من المناطق، وكانت تلك المحطات تمثل السوق السوداء، وبعد مرور سنوات تطور عمل الحوثيين، حيث أنشأوا شركات تجارية أصبحت اليوم تتحكم بقطاع المشتقات النفطية في المناطق الواقعة تحت سيطرت الحوثيين. وبحسب مصادر اقتصادية مقربة من جماعة الحوثي، فإن من أبرز تلك الشركات “سام، بلاد الخير، يمن إيلاف، وقصور صنعاء”، وجميعها يمتلكها المتحدث باسم جماعة الحوثي محمد عبدالسلام فليتة، بينما يمتلك القيادي الحوثي زيد الشرفي، شركة “سام أويل”، ويمتلك القيادي الحوثي علي قرشة شركة “الذهب الأسود”، أما القيادي الحوثي عبدالله الوزير فيمتلك شركة “أتلانتيك أويل، و”مرديف للاستثمار”، كما كشفت المصادر عن امتلاك القيادي الحوثي دغسان محمد دغسان شركة “أويل برايمر”.
وكشف تقرير أصدره خبراء تابعون للأمم المتحدة في يونيو 2017، عن “جني جماعة الحوثي، ما يزيد عن مليار دولار، من عائدات بيع المشتقات النفطية في السوق السوداء، للسكان في مناطق سيطرتها”، وفقاً لمنظمة “هيومن رايتس ووتش”.
حتى العلاج
لم يترك الحوثيون أية سوق إلا وفرضوا على ملاكها إتاوات وجبايات مرهقة، حتى سوق الدواء فقد تحولت إلى سوق موبوءة بالأدوية المهربة، أو تجمعاً للسوق السوداء.
“علاج وصلت قيمته في السوق السوداء عند صيدلية وحيدة تحتكره في صنعاء إلى ٩٠٠٠ ريال، قيمته الفعلية لا تزيد عن ١٨٠٠ ريال. مئات الآلاف من الأطفال اليمنيين يعيشون عليه لتجنب نوبات الصرع والتشنجات نتيجة أمراض تتعلق بالدماغ.. وهناك آلاف الكبار يأخذون نوعية مقاربة له، لكنها مختفية أيضاً”؛ يقول الصحفي منصور الجردي، ويضيف: “أطفالنا يموتون كل يوم بسبب منع دخول الأدوية لليمن، أو المتاجرة بها في السوق السوداء، كما هو حاصل في المتاجرة بكل شيء في السوق السوداء حتى الإنسان نفسه”.
وعن المشكلة ذاتها، يحكي مروان الويسي، معاناته لـ”المدونة اليمنية”، إذ يشير إلى أنه قبل عامين انعدم دواء الروماتيزم المخصص لوالدته، وبعد جهود مضنية للبحث عنه، وجد الدواء يباع في السوق السوداء، وبسعر باهظ، ومنذ ذلك الحين حتى اليوم والحال كما هو عليه. ولم يعُد الويسي يعرف لمن يشتكي بعد أن تعب من تقديم الشكاوى لمكتب الصحة ووزارة الصحة في العاصمة صنعاء.
ضايق الحوثيون الوكلاء المحليين لشركات الأدوية العالمية، عقب تعيينهم محمد المداني رئيساً للهيئة العليا للأدوية، ومنذ توليه راجت السوق السوداء للأدوية، وبخاصة الأدوية المزمنة والأدوية المقدمة مجاناً للمواطنين من قبل المنظمات الدولية.
في الآونة الأخيرة، نظم الحوثيون، عبر وزارة الصحة الواقعة تحت سيطرتهم، حملة استهدفت الصيدليات، وفرضت على ملاكها دفع 100 ألف ريال لتجديد تراخيص افتتاحها ومزاولة العاملين فيها مهنة الصيدلة، تلك التعسفات لاقت رفضاً قاطعاً من قبل حقوقيين وأطباء ونقابات، من بينها “نقابة ملاك صيدليات المجتمع باليمن”، التي اتهمت جماعة الحوثي، بإغلاق مئات الصيدليات، والتشهير بقرابة 1300 آخرين، في حين أعلنت الجماعة أنها أغلقت 432 صيدلية، بحجة أنها غير مرخصة.
وأضافت النقابة، في بيان حصلت “المدونة اليمنية” على نسخة منه، أن “سلطة الحوثيين الانقلابية تمارس التعسف والابتزاز، عبر مكتب الصحة بالأمانة”، واستنكرت، في بيانها، الإجراءات التعسفية، و”طرق الابتزاز الرخيصة والتشهير” الذي يستخدمه مكتب الصحة بأمانة العاصمة، محذرة من “تضرر قطاع الصيدلة بسبب تلك الممارسات المخالفة للقانون”.
وقالت إن “الحوثيين قاموا باختطاف واحتجاز قرابة 140 صيدلياً، بشكل تعسفي وغير قانوني، وأودعوهم السجن الاحتياطي بصنعاء، بالرغم من أن التحقيقات أكدت أن معظم المبررات التي أوردتها السلطات ضدهم، غير صحيحة”.
وأضافت أن “الجماعة قامت بإرسال لجان تفتيش من أشخاص غير مؤهلين، وكذلك أطفال ومراهقين، يتبعون مدير مكتب الصحة بصنعاء، المعين من قبل جماعة الحوثي، مطهر عباس المروني”.
وفي بيان آخر، اتهمت نقابة ملاك الصيدليات، سلطة الحوثيين، بالتساهل والعبث بقطاع الصحة، وتجاهل ما يمارس من فساد ونهب للمال العام وللمرضى من قبل موظفي الصحة.
وأكدت النقابة، في البيان الذي نشرته في صفحتها على موقع “فيسبوك”، أن “كميات الأدوية المهربة تشكل 50% من الأدوية التي تباع في السوق، إلا أن سلطة الحوثيين لا تقوم بأي دور لمواجهة ذلك”.
وكان العشرات من ملاك الصيدليات والعاملين في هذا القطاع، نفذوا وقفة احتجاجية أمام مكتب الصحة في صنعاء، احتجاجاً على تلك الممارسات المخالفة للقانون، والتي ينفذها الحوثيون تحت غطاء “ضبط الصيدليات المخالفة للمعايير”.
وأفاد مصدر في وزارة الصحة، أن “الحوثيين يسعون من وراء الحملة إلى الاستحواذ على قطاع الصيدلة، الذي يعتبر من أكثر القطاعات المهمة والحيوية، وأن جماعة الحوثي تسعى من خلال وزير الصحة القيادي طه المتوكل، إلى إنشاء سلسلة صيدليات باسم “الصيدلية الوطنية”، بغطاء استثماري، وأن الحملة الحالية ضد الصيدليات هي لإخلاء الساحة، والتمهيد لإنشاء تلك الصيدليات”.
وأكد المصدر أن “متنفذين في وزارة الصحة بصنعاء يتاجرون بالأدوية الصحية المقدمة كمساعدات من المنظمات الدولية الإغاثية، ويقومون ببيع الأدوية في السوق السوداء”.
الكتب المدرسية
لا تولي جماعة الحوثي اهتمامها بالتعليم في المدارس والجامعات، لكنها رأت أنها يمكن أن تستفيد من جني ملايين الريالات من الطلاب، بدليل وجود سوق سوداء واسعة لبيع الكتب المدرسية، حيث يضطر الطلاب لشراء الكتب من على أرصفة الشوارع، بسبب امتناع الجماعة عن توزيع الكتب عليهم في المدارس مجاناً، مثلما كان يحدث قبل وقوع الانقلاب في 2014.
يقول عباس السلامي لـ”المدونة اليمنية”: “نحن الآن نشارف على انتهاء النصف الأول من العام الدراسي، وإلى الآن لم توزع الكتب المدرسية في المدارس الحكومية، وحينما سألت مدير المدرسة التي يدرس بها أبنائي الثلاثة، أخبرني أن المشكلة من مكتب التربية بالأمانة ومطابع الكتاب المدرسي”.
وتشير تقارير صحفية إلى أن وزارة التربية، التي يديرها شقيق زعيم المليشيات الحوثية، “عمدت إلى تحويل مطابع الكتاب المدرسي إلى وسيلة استثمارية مالية لصالح جماعة الحوثي، حيث قامت هذا العام بطباعة كتب مدرسية خاصة بالمدارس الأهلية والخاصة، وبيعها عليهم مقابل مبالغ مالية كبيرة، فيما امتنعت عن توزيع هذه الكتب على المدارس الحكومية”.
وفي الجامعات الحكومية، أصبحت مسألة قبول الطلاب الراغبين بالدراسة تخضع لمن يدفع أكثر. يقول موظف في جامعة صنعاء (رفض الكشف عن اسمه)، إن “المشرف الحوثي أبو علي الديلمي، يدير شبكة سوق سوداء تُجبر الطلاب الراغبين بالتسجيل في أية كلية، على دفع مبالغ مالية باهظة غير الرسمية، حتى يتم قبوله، وبالذات في كليات الطب والهندسة”.

 

*المصدر:المدونة اليمنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق